
كان الأطفال يسخرون منه، لكنه لم يكن يهتم، كان يحب المدرسة ويؤمن أن التعليم هو طريقه للخلاص من الفقر. في يوم شديد البرودة، كان سامي يسير حافيًا تقريبًا، فقد تهرّأ حذاؤه تمامًا. رآه رجلٌ عجوز يعمل ماسح أحذية في الشارع، فاقترب منه وسأله:
“لماذا لا تشتري حذاءً جديدًا، بني؟”
-
طارق الليل للكاتب المصري محمد مالكأبريل 12, 2025
-
النهارده قرايه الفاتحهأبريل 12, 2025
-
توقعات ليلى عبداللطيفأبريل 12, 2025
ابتسم سامي بأدب وقال: “أمي تقول إن علينا أن نصبر، فالأيام الصعبة لا تدوم.”
تأثر الرجل بكلامه، وأخذ سامي إلى متجر الأحذية، واشترى له أجمل حذاء، وقال له: “هذا لأنك صبرت، لكن لا تنسَ أن تساعد غيرك عندما تكبر.”
مرت السنوات، وكبر سامي وأصبح طبيبًا. وفي أحد الأيام، وهو يعالج مريضًا مسنًا، تعرّف على وجهه، كان نفس الرجل الذي منحه الحذاء في طفولته. أمسك بيده وقال بتأثر:
“حان دوري لأردّ لك الجميل.”
العبرة:
لا شيء يضيع في هذه الحياة، المعروف يعود ولو بعد سنوات، واللطف الصغير قد يُغيّر حياة شخص بالكامل.
ابتسم الرجل العجوز والدموع في عينيه، وهمس بصوت متهدّج:
“كنت أعلم أنك ستصبح شيئًا عظيمًا، لقد رأيت النور في عينيك يومها.”
ضحك سامي برفق وهو يضع البطانية على المريض، وقال:
“ذلك الحذاء لم يدفئ قدمي فقط، بل أشعل في قلبي الأمل. كنت أحتاج ليد تمتد إليّ، وأنت كنت تلك اليد.”
مكث سامي إلى جوار الرجل طيلة فترة علاجه، وكان يزوره كل يوم. لم ينسَ لحظة الطيبة تلك، التي كانت مثل بذرة صالحة نمت في قلبه وأثمرت إنسانًا يحمل الخير لغيره.
وحين تعافى الرجل وخرج من المستشفى، ودّعه سامي عند الباب قائلاً:
“أنا ممتن لك، ليس فقط للحذاء… بل لأنك علّمتني كيف يكون الإنسان إنسانًا.”
مشى الرجل العجوز مبتسمًا، بثياب بسيطة، لكنه يحمل قلبًا كبيرًا، ووراءه سامي، الطبيب الذي غيّرت لفتة صغيرة مجرى حياته.
العبرة المتجددة:
صنائع المعروف لا تضيع أبدًا، وقد تكون كلمة، أو حذاء، أو لحظة اهتمام… لكنها تترك في القلب أثرًا، وتُصنع بها المعجزات.
وبعد خروج الرجل العجوز من المستشفى، عاد إلى حياته البسيطة، لكن قلبه كان مطمئنًا وسعيدًا، فقد رأى ثمار المعروف الذي زرعه قبل سنين طويلة.
أما سامي، فقد ظل يحمل تلك القصة في قلبه، يرويها لتلاميذه في المحاضرات، ويذكرها لكل مريض يائس، ولكل طفل فقير يأتي إليه دون ثمن.
وذات يوم، قرر سامي أن يؤسس “مؤسسة الأمل”، وهي منظمة خيرية تهتم بتعليم الأطفال الفقراء، وتوفير الملابس والأحذية لهم، تمامًا كما كان يتمنى في صغره. وكتب على شعار المؤسسة:
“لأن لفتة طيبة واحدة قد تغيّر العالم.”
وانتشرت قصته، وأصبحت مصدر إلهام للكثيرين.
وفي كل عام، في نفس اليوم الذي التقى فيه الرجل العجوز وهو طفل، كان سامي يزور أحد المتاجر، يشتري أحذية جديدة، ويهديها للأطفال بنفسه، تمامًا كما فعل ذلك الرجل الذي لم ينساه قلبه أبدًا.
فمن يزرع الخير، يحصد الحب.
ومن يمنح النور، لا يعيش في الظلام أبدًا.








